الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

343

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

يفتخر به في العالمين سلام على نوح في العالمين . نعم ، فهل هناك فخر أكبر من هذا ، وهو أن الله يبعث بالسلام والتحيات لنبيه نوح ، السلام الذي سيبقى يهدى إليه من قبل الأمم الإنسانية لحين قيام الساعة ، والملفت للنظر أنه من النادر أن يوجد في القرآن سلام بهذه السعة على أحد ، خاصة وأن المراد بالعالمين جميعها لكونه جمعا محلى بالألف واللام ( مفيدا للعموم ) فيتسع المعنى ليشمل عوالم البشر وأممهم وجماعاتهم إلى يوم القيامة ويتعداهم إلى عوالم الملائكة والملكوتين . ولكي تكون خصوصيات نوح ( عليه السلام ) مصدر إشعاع للآخرين ، أضاف القرآن الكريم إنا كذلك نجزي المحسنين . وإنه من عبادنا المؤمنين . في الحقيقة ، إن درجة عبودية نوح لله وإيمانه به - إضافة إلى إحسانه وعمله الصالح الذي ذكرته الآيتان الأخيرتان - كانت السبب الرئيسي وراء اللطف الإلهي الذي شمل نوحا وأنقذه من الغم الكبير ، وبعث إليه بالسلام ، السلام الذي يمكن أن يشمل كل من عمل بما عمل به نوح ، لأن معايير الألطاف الإلهية لا تتخلف ، ولا تختص بشخص دون آخر . أما الآية الأخيرة في بحثنا فقد وضحت بعبارة قصيرة شديدة اللهجة مصير تلك الأمة الظالمة الشريرة الحاقدة ثم أغرقنا الآخرين . إذ انهمر المطر سيلا من السماء ، وتفجرت الأرض عيونا ، وغطت المياه اليابسة كبحر هائج دك بأمواجه المتلاطمة الشامخة عروش الطغاة ودمرها ، لافظا إياهم بعدئذ أجسادا هامدة لا حياة فيها ولا روح . والذي يلفت النظر أن الله سبحانه وتعالى استعرض ألطافه على نوح في عدة آيات ، فيما بين عذابه لقوم نوح العاصين في عبارة واحدة قصيرة يرافقها التحقير وعدم الاهتمام بهم ، لأن حالة نصر المؤمنين وعزتهم وتأييد الباري سبحانه لهم جديرة بالتوضيح ، وبيان حال المعاندين والعاصين لا يجدر بالاهتمام والاعتناء . * * *